الغزالي
518
إحياء علوم الدين
الواحد مقصود ، فما له ولسائر الناس ؟ فليقدر أنه المقصود قال تعالى * ( وأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ به ومن بَلَغَ « 1 » ) * قال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرءان فكأنما كلمه الله وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرءان عمله ، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه اليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه ، ولذلك قال بعض العلماء : هذا القرءان رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده ، نتدبرها في الصلوات ، ونقف عليها في الخلوات ، وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات . وكان مالك بن دينار يقول : ما زرع القرءان في قلوبكم يا أهل القرءان ؟ إن القرءان ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض . وقال قتادة : لم يجالس أحد هذا القرءان إلا قام بزيادة أو نقصان ، قال الله تعالى : * ( هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً « 2 » ) الثامن : التأثر ، وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره ، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه ، فان التضييق غالب على آيات القرءان ، فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها ، كقوله عز وجل * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ « 3 » ) * ثم أتبع ذلك بأربعة شروط * ( لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى « 4 » ) * وقوله تعالى * ( والْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ « 5 » ) * ذكر أربعة شروط ، وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى * ( إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ « 6 » ) * فالاحسان يجمع الكل . وهكذا من يتصفح القرءان من أوّله إلى آخره ومن فهم ذلك . فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن ، ولذلك قال الحسن : والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرءان يؤمن به إلا كثر حزنه وقلّ فرحه ، وكثر بكاؤه وقلّ ضحكه ، وكثر نصبه وشغله ، وقلت راحته وبطالته وقال وهيب بن الورد : نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب ولا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرءان وتفهمه وتدبره ، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت ، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح ، وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته
--> « 1 » الانعام : 19 « 2 » الإسراء : 82 « 3 » طه : 82 « 4 » طه : 82 « 5 » العصر « 6 » الأعراف : 56